كسرُ لعنة السرطان الذي لا يُقهر
مُنحت أول ميدالية للعلماء الشباب بالتزامن مع النسخة السادسة من جائزة مصطفى (ص) في شهر أيلول/سبتمبر 2025 لثلاثة علماء من الدول الإسلامية. وقد أُسِّست هذه الميدالية بتمويل من أوقاف البروفسور أوغور شاهين والبروفسور أميد فرخزاد، الفائزين بجائزة مصطفى (ص) في عامَي 2019 و2023.
وبحسب تقرير مراسل الشؤون الاجتماعية في وكالة تسنيم للأنباء، فقد ركّز الفائز بأول ميدالية عالم شاب نشاطه العلمي على دراسة أسباب مقاومة الخلايا السرطانية للأدوية، وتمكّن من الوصول إلى نتائج مهمة للتغلّب على هذا التحدّي باعتباره العقبة الرئيسية في علاج السرطان.
كانت "بوسه جواتمره" من تركيا إحدى العلماء الشباب الثلاثة الذين نالوا هذه الميدالية عن عملها المتعلق بكشف كيفية تكيف الخلايا السرطانية ومقاومتها للعلاجات الكيميائية من خلال التغيرات فوق الجينية والتفاعلات مع البيئة الدقيقة المحيطة بالورم. وقد تسلّمت الميدالية خلال حفل أُقيم في مقرّ أكاديمية العلوم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
تسنيم: نعلم أنكم بحثتم في مجالات عديدة مثل مقاومة الأدوية في علاج سرطان الرئة، والمقاومة الدوائية في سرطان البروستاتا، كما حصلتم على جوائز مثل جائزة اليونسكو-لوريال للباحثات. نرجو أن تعرّفينا بنفسك وتحدّثينا عن مسيرتك العلمية.
أنا بوسه جواتمره يلدرم (Buse Cevatemre Yildirim)، خريجة تخصّص علم الأحياء. منذ طفولتي كنت أحب جمع الحشرات وعرضها على أفراد أسرتي، وكنت أرغب في الاستماع لأصوات الكائنات الأخرى، ومنذ ذلك الوقت كنت أعلم أنني أريد أن أصبح عالمة أحياء. بعد البكالوريوس، ازداد اهتمامي بعلم الأحياء الجزيئي، وواصلت دراساتي العليا في هذا التخصص. أما أهم مرحلة دراسية لي فكانت فترة ما بعد الدكتوراه في جامعة كوج (Koç University) في إسطنبول، حيث كنت ضمن مجموعة من العلماء البارزين. وقد أمضيت سبع سنوات حتى الآن في هذا الصرح العلمي.
كانت أبحاثي خلال هذه السنوات السبع مثمرة جداً، وقد منحتني العديد من الفرص لحل التحديات العلمية. تناولت أطروحة الدكتوراه الخاصة بي موضوع مقاومة الأدوية في علاج سرطان الرئة. كما عملتُ على المقاومة الدوائية بشكل عام، لأن الأورام تُظهر أحياناً مقاومة تجاه العلاج. ومن هنا بدأنا طرح أسئلة حول كيفية حلّ هذه المشكلة وفهم آلياتها.
جوهر أبحاثي خلال هذه السنوات السبع كان: لماذا تقاوم الخلايا السرطانية العلاج؟ وما الآليات التي تستخدمها للبقاء؟ وكيف يمكن علاجها؟ وقد حصلت خلال هذه الفترة على جوائز متعددة مثل جائزة اليونسكو-لوريال للنساء العالمات، وجائزة العالم الشاب المتميز من أكاديمية العلوم التركية، وجائزتين في مجال الأورام، بالإضافة إلى ميدالية العالم الشاب من مؤسسة مصطفى (ص).
تسنيم: هل يمكن أن تشرحي موضوع أبحاثك بلغة مبسّطة؟
هناك طرق مختلفة لعلاج السرطان: الجراحة، العلاج الكيميائي، والعلاج الإشعاعي. معظم المرضى يستجيبون جيداً لهذه العلاجات، لكن بعضهم يُظهر مقاومة منذ المراحل الأولى، أو قد تتطوّر المقاومة مع الوقت، فيصبح الدواء غير فعّال. وهذا هو التحدي الأكبر في علاج السرطان، وهو أمر يثير الدهشة؛ إذ من الصعب التنبؤ به.
هذا الموضوع هو محور تركيزي المستقبلي: التنبؤ بمقاومة العلاج لدى المرضى. إنه موضوع معقد، إذ إن الخلايا السرطانية لديها قدرة عالية على التغيير والتكيف. فمهما قدّمتم لها من علاج أو أجرَيتم من تغييرات، فإنها تستجيب بطريقة ما، وقد تدخل في مرحلة سكون لوقت معين ثم تنشط مجدداً.
تسنيم: أي أنه يُظَنّ أن حالة المريض جيدة، لكن المرض يعود مجدداً؟
نعم، وهذا ما يجعل الموضوع من أهم القضايا في الدراسات الأساسية.
تسنيم: ما منهجيتكم في التجارب؟ وكيف ساعدتكم في الوصول لنتائج جيدة؟
الجانب الإيجابي في أبحاث السرطان هو أنك لا تحتاج دائماً لاستخدام عينات بشرية، فهذا غير ممكن دائماً.
تسنيم: في بداية البحث لا يمكنكم ذلك؟
صحيح. فلكل مريض حالته الخاصة. لذلك نبدأ باستخدام نماذج خلوية أو حيوانية. في البداية، قمنا بمحاكاة حالة المريض عبر تكييف خلايا سرطان البروستاتا وجعلها مقاومة للعلاج الكيميائي. بعد ذلك أجرينا فحوصات فوق جينية لمعرفة آليات التغيرات التي تطرأ على الخلايا بهدف استهدافها لاحقاً.
استغرق إنتاج هذه الخلايا سنة كاملة. ثم عالجناها بـ150 دواءً، وبعد ثلاثة أيام درسنا قابليتها للحياة. وظهر أن بعض الأدوية تندرج ضمن مجموعة بروتينية تؤثر على العلامات فوق الجينية للكروماتين. فقررنا التركيز على هذه المجموعة.
تسنيم: وهل كان معكم فريق بحثي كبير؟
نعم، لدي مجموعة من طلاب البكالوريوس، وباحثة كبيرة، إضافة إلى أنني كنت باحثة ما بعد الدكتوراه ضمن مختبر، ولدينا مختبر متعاون أيضاً. إجمالاً شارك ما بين 10 و20 شخصاً في هذا المشروع.
تسنيم: عشرون شخصاً؟ هل كان العمل ممتعاً؟
نعم جداً، عندما يكرّس الجميع أنفسهم للعلم دون التفكير بأنفسهم فقط، يصبحالعمل ممتعاً للغاية.
تسنيم: حتى لو استغرق عاماً كاملاً؟
نعم. برأيي يجب أن تتطور المشاريع البحثية كل خمس سنوات، وتُضاف إليها أفكار جديدة. استغرق هذا المشروع حوالي 4–5 سنوات. حصلت على جائزة اليونسكو عام 2020، ونشرنا البحث بعد أربع سنوات. أي نحو خمس سنوات من العمل.
تسنيم: وهل لا يزال هذا المشروع مهماً بالنسبة لك؟
نعم، وقد انبثقت منه مشاريع أخرى أيضاً. وفي بعض الأحيان نصادف أسئلة جديدة خلال مشروع ما، فنقدم طلبات للحصول على منح بحثية، وإذا تمت الموافقة نبدأ مشروعاً جديداً.
تسنيم: هل لديك مشاريع بحثية دولية أخرى الآن؟
حالياً لا.
تسنيم: لكن هناك مشاريع ضمن مجال عملك؟
بالطبع، على سبيل المثال، أنوي التقدم لمنحة أوروبية قريباً.
تسنيم: كيف يمكن تتبع الخلايا السرطانية عبر التغيرات فوق الجينية؟
التغيرات فوق الجينية سريعة، وقد تغيّر بنية الكروماتين أو تعيد ضغطه. إذا عالجتم الورم بأدوية فوق جينية تحدث تغييرات كبيرة في الكروماتين، قد يستجيب المريض جيداً. لكن المشكلة أن هذه الأدوية سامة ولها تأثيرات قوية على الخلايا.
تسنيم: برأيك، هل يختلف السرطان من شخص لآخر؟
نعم. هذه طبيعة السرطان. يشبه بصمة الإصبع؛ فكل ورم يختلف بشدة وفقاً للخلفية الجينية للمريض. لذلك لا يمكن علاج كل الأورام بالطريقة نفسها. يجب معرفة الخلفية الجينية ونوع السرطانن
تسنيم: هل تنوين العمل على هذا الموضوع؟
نعم، بالتأكيد.مقاومة الأدوية… لماذا؟
تسنيم: ذكرتِ أن بعض المرضى فجأة لا يستجيبون للعلاج الدوائي. ما سبب ذلك؟
هناك طرق عديدة لظهور المقاومة الدوائية، لكن السبب الأساسي هو أن الخلايا تنتج بروتينات مضادة للموت الخلوي، فتقاوم الموت. هذا أحد الأسباب، لكنه ليس الوحيد.
هناك آلية أخرى: توجد نواقل (Transporters) على غشاء الخلية. ولكي يكون الدواء فعالًا يجب أن يدخل إلى الخلية. لكن في بعض الأحيان تزيد الخلايا من عدد هذه النواقل، بحيث يتم ضخّ الدواء إلى خارج الخلية فور دخوله.
وبالتالي يفقد الدواء فعاليته داخل الخلايا وهذه تُعتبر آلية ثانية للمقاومة، وهناك أيضاً تفاعل الخلايا السرطانية مع البيئة الدقيقة المحيطة بالورم، إضافة إلى احتمال حدوث تكبير جينومي (Gene Amplification)، وهو ما شاهدناه في أحد خطوطنا الخلوية. لكن حتى هذه الخلايا يمكن أن تستجيب مجدداً للعلاج عند استخدام مثبطات فوق جينية.
المحصّلة: توجد عدة آليات للمقاومة الدوائية، وليس آلية واحدة فقط.