مسافر القطب الجنوبي الذي قهر الظواهر الجوية

مسافر القطب الجنوبي الذي قهر الظواهر الجوية

تكشف أبحاث "عمران إينان"، الأستاذ الفخري في جامعة ستانفورد والحائز على جائزة "المصطفى (ص)"، أن البرق ليس مجرد تفريغ كهربائي داخل السحب الرعدية، بل يمكنه توليد أحداث ضوئية عابرة (TLEs) في طبقات الجو العليا، مثل العفاريت الحمراء (Red Sprites)، الهالات (Elves)، والنفاثات الزرقاء (Blue Jets)؛ وهي ظواهر لا يزال جزء كبير من آليات تشكُلها وسلوكها مجهولاً رغم عقود من البحث.

وفي حديثه مع وكالة "برنا" للأنباء، أشار إينان إلى أن هذه الأحداث الضوئية تظهر فقط لأجزاء من الألف من الثانية على ارتفاع يتراوح بين 40 و80 كيلومتراً فوق السحب الرعدية، قائلاً: "لقد مكّننا التقدم في تقنيات الرصد ودراسات فيزياء الغلاف الجوي من فهم ظواهر كانت تُرى في السابق كأضواء غامضة في السماء".
من العفاريت الحمراء إلى النفاثات الزرقاء؛ كل اكتشاف يفتح باباً لأسئلة جديدة
وفقاً لإينان، نجح فريقه البحثي لأول مرة في تفسير آلية تشكّل العفاريت الحمراء والهالات وهياكلها الدقيقة، ومن ثم النفاثات الزرقاء. وأوضح أنه في بداية هذه الأبحاث، لم يكن العلماء يدركون كيفية حدوث مثل هذه الظواهر، لكن الحسابات النظرية والبيانات الرصدية كشفت تدريجياً لغز هذه الظاهرة.
وأوضح إينان أن العفاريت الحمراء تتشكل عقب انتقال مفاجئ للشحنات الكهربائية من السحابة إلى الأرض، مما يولد مجالاً كهربائياً هائلاً في طبقات الجو العليا، مما يهيئ الظروف لظهور هذه الظاهرة حتى يعود الغلاف الجوي إلى حالة التوازن.
أما عن النفاثات الزرقاء، فقد ذكر أنها عندما تزداد قوة المجال الكهربائي، تنمو الشرارات نحو ارتفاعات أعلى وتعمل على تأيين الهواء في مسارها؛ وهي ظاهرة تتحرك من أعلى السحب الرعدية باتجاه طبقات الجو العليا، على عكس العفاريت الحمراء.
هل كان للعفاريت الحمراء دور في سقوط مكوك الفضاء "كولومبيا"؟
في جزء آخر من الحوار، تطرق إينان إلى فرضية طُرحت عقب كارثة مكوك الفضاء "كولومبيا" عام 2003، حيث طُلب من فريقه البحثي التحقق مما إذا كانت العفاريت الحمراء قد لعبت دوراً في سقوط المكوك.
وقد فنّد إينان هذه الفرضية مؤكداً: "هذا الأمر مستحيل؛ لأن هذه الظواهر لا تتمتع بناقلية كهربائية عالية، كما أنها تحدث على ارتفاعات أعلى بكثير من مسارات طيران الطائرات والمكوك الفضائية". وأشار إلى أن هذه الدراسات أثبتت مجدداً أنه على الرغم من الأهمية العلمية الكبيرة للأحداث الضوئية العابرة، إلا أنها لا تؤثر بشكل مباشر على سلامة الرحلات الجوية.
تلسكوبات عملاقة لدراسة الهياكل الدقيقة للغلاف الجوي
وأكد إينان أن فريقه البحثي استخدم تلسكوبات ضخمة ومستقبلات فائقة الحساسية لدراسة هذه الظواهر بدقة؛ وهي معدات قادرة على قياس التغيرات الطفيفة جداً في المجال المغناطيسي للأرض، والتقاط إشارات ضعيفة من مسافة تصل إلى 600 كيلومتر تقريباً. وأضاف أن هذه الملاحظات أظهرت أن العفاريت الحمراء وغيرها من الأحداث الضوئية العابرة تمتلك هياكل أكثر تعقيداً بكثير مما ظهر في الصور الأولية، وهو ما غير مسار الأبحاث اللاحقة.
تطوير نظام عالمي لتحديد مواقع البرق
يُعد تطوير النظام العالمي لتحديد مواقع البرق إنجازاً بارزاً آخر لفريق إينان. وأوضح أن كل ومضة برق تنتج موجات راديوية عند حدوثها، وإذا استُقبلت هذه الإشارات في عدة محطات في وقت واحد، يمكن تحديد موقع الصاعقة بدقة.
وذكر إينان أن هذا النظام يسجل حالياً وقت حدوث كل برق بدقة تصل إلى ميلي ثانية واحدة، وموقعه بدقة تقارب كيلومتراً واحداً، وتُستخدم بياناته في الأبحاث العلمية، وسلامة الطيران، ودراسة الأضرار الناجمة عن الصواعق. وأكد أنه تم تخزين كافة بيانات البرق المسجلة منذ عام 2009 في قاعدة بيانات يمكن للباحثين الاستفادة منها في دراساتهم.
لم تُكشف بعد كل أسرار الأحداث الضوئية العابرة
ختاماً، أكد إينان أن العديد من الأسئلة حول الأحداث الضوئية العابرة لا تزال بلا إجابة، قائلاً: "لا يزال الباحثون يجهلون سبب إنتاج بعض العواصف للعفاريت الحمراء دون غيرها، ولماذا تمتلك بعض العفاريت هياكل متشعبة دقيقة بينما تظهر أخرى كحلقة مضيئة فقط، ولماذا تنتج بعض العواصف نفاثات زرقاء".
وأضاف أن نمذجة هذه العمليات صعبة للغاية، إذ تتطلب حل عشرات المعادلات المتزامنة مع مراعاة تأثير الحرارة والإشعاع وحتى إنتاج أشعة غاما. وأعرب إينان عن أمله في أن تساهم الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية مستقبلاً -من خلال إجراء حسابات ضخمة ومعقدة- في فك ما تبقى من ألغاز هذه الأضواء السماوية الغامضة، وفتح فصل جديد في علوم الغلاف الجوي والفضاء.