البروسكايت‌ إلى مواجهة السيليكون؛ مستقبل الألواح الشمسية الخفيفة والرخيصة والمرنة

البروسكايت‌ إلى مواجهة السيليكون؛ مستقبل الألواح الشمسية الخفيفة والرخيصة والمرنة

بفضل مزيجها من الكفاءة العالية، وتكلفة التصنيع المنخفضة، والمرونة، أصبحت خلايا البروسكايت الشمسية واحدة من أشد المنافسين جدية لتقنيات الطاقة الشمسية القائمة على السيليكون. إذ تتيح هذه المواد إمكانية تصنيع ألواح خفيفة الوزن ومرنة وحتى شفافة، مما قد يُوسِّع في المستقبل استخدام الطاقة الشمسية ليشمل مجالات تتجاوز الألواح التقليدية.
 

 

تُرسل الشمس يومياً كميات هائلة من الطاقة إلى الأرض، غير أن تحويل هذه الطاقة إلى كهرباء يتطلب تقنيات فعّالة. تتألف الألواح الشمسية من مجموعة من الخلايا الكهروضوئية التي تحوّل ضوء الشمس مباشرة إلى طاقة كهربائية. في خلايا الجيل الأول، المادة الأساسية هي السيليكون، وتتكون هذه الخلايا عادةً من نوعين من السيليكون (النوع n والنوع p)، وينشأ عند التقائهما وصلة p-n. وعند سقوط الضوء، تنشأ أزواج من الإلكترونات والثقوب، ويؤدي المجال الكهربائي الداخلي للخلية إلى فصلها، مما يولّد تياراً كهربائياً في الدائرة الخارجية.
على مدى عقود، أصبح السيليكون التقنية المهيمنة في صناعة الطاقة الشمسية؛ غير أنه يمتلك حدوداً أيضاً. فألواح السيليكون صلبة وهشة نسبياً، ويتطلب إنتاجها عمليات صناعية واستهلاكاً كبيراً للطاقة. فضلاً عن ذلك، فإن كفاءة الخلايا السيليكونية قد اقتربت من الحدود النظرية العليا لهذه التقنية. وقد دفعت هذه القيود الباحثين إلى البحث عن مواد جديدة تجمع بين الأداء العالي والتكلفة والوزن الأقل.
تُعد البروسكايت واحدة من أهم الخيارات في هذا الجيل الجديد. والبروسكايت هي مجموعة من المواد ذات بنية بلورية خاصة، يتمتع بعضها، مثل يوديد الرصاص ميثيل الأمونيوم، بقدرة عالية على امتصاص الضوء. منذ أول استخدام للبروسكايت في الخلايا الشمسية عام 2009، ارتفعت كفاءة هذه الخلايا في المختبر من حوالي 4% إلى أكثر من 25%، وهو نمو سريع للغاية لفت انتباه الأوساط العلمية وصناعة الطاقة.
تتكون خلايا البروسكايت عادةً من مزيج من كاتيونات مثل ميثيل الأمونيوم، فورماميدينيوم، سيزيوم أو روبيديوم، ومعدن مثل الرصاص أو القصدير، وهاليدات مثل اليود، البروم أو الكلور. ويمنح تركيب هذه المواد إمكانية ضبط خصائصها البصرية والكهربائية إلى حد كبير عبر تغيير التركيب الكيميائي.
من أبرز الباحثين في هذا المجال، البروفيسور محمد خواجه نذير الدين، أستاذ في المعهد الفدرالي للتقنية بلوزان (EPFL) والحائز على جائزة مصطفى (ص) للتكنولوجيا في دورتها السادسة. بعد عمله في مجال الخلايا الشمسية الحساسة للصبغ، خصص مع ظهور البروسكايت جزءاً مهماً من أبحاثه لهذه التقنية.
على الرغم من الأداء المبهر للبروسكايت، لا يزال الاستقرار أحد أهم التحديات أمام تسويقها. فهذه المواد تتأثر بالرطوبة والأكسجين والحرارة، وقد ينخفض أداؤها بمرور الزمن. وللتغلب على هذه المشكلة، طوّر نذير الدين وزملاؤه طرقاً لتعديل سطح بلورات البروسكايت. ففي إحدى هذه الدراسات، ساعد استخدام مركبات تُدعى أحماض ألكيل فوسفونيك ω-أمونيوم كلوريد في تكوين روابط بين حواف البلورات وتشكيل بنية أكثر استقراراً. وحافظت الخلايا المعدّلة على أكثر من 80% من أدائها الأولي بعد تعريضها لرطوبة 55% لمدة أسبوع.
لا تقتصر هذه الأبحاث على زيادة الاستقرار فحسب، بل إن استخدام طريقة الترسيب المرحلي أتاح أيضاً تحكماً أفضل في تكوين البلورات وإنتاج طبقات أكثر تجانساً. في هذه الطريقة، تُشكَّل أولاً طبقة من يوديد الرصاص، ثم يُضاف هاليد عضوي لتكوين البنية البروسكايتية. كما يبحث الباحثون عن بدائل خالية من الرصاص أو منخفضة الرصاص للحد من المخاوف البيئية الناجمة عن استخدام الرصاص.
لا تزال البروسكايت تواجه تحديات تحول دون استبدال السيليكون بالكامل، مثل الاستقرار طويل الأمد، وقابلية التوسع في الإنتاج، وسلامة المواد؛ لكن خصائصها كالخفة والمرونة، والقدرة على الإنتاج على أسطح مختلفة، والكفاءة العالية، تمنحها آفاقاً واسعة. ففي حال تجاوز هذه التحديات، يمكن لخلايا البروسكايت أن تُستخدم، إلى جانب الألواح الشمسية التقليدية، في المباني، والنوافذ المنتجة للكهرباء، والأجهزة المحمولة، وغيرها من التقنيات الخفيفة والمرنة، وأن تؤدي دوراً مهماً في توسيع نطاق الطاقة النظيفة والحد من الاعتماد على الوقود الأحفوري.